أبي منصور الماتريدي

263

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وقوله - عزّ وجل - : وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ، وقال في موضع آخر إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ [ الأحزاب : 57 ] ، وقال : وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِيناً [ الأحزاب : 36 ] ، وكل من ارتكب المآثم ، فقد دخل في [ حد العصيان ] « 1 » وإيذاء الرسول ، ولكن المراد هاهنا من يعتقد عصيان الرسول وأذاه ؛ لأن الله تعالى أضاف الأذى والعصيان إلى نفسه « 2 » ، ولا أحد يقصد قصد أذى الله « 3 » تعالى ، والله - عزّ وجل - لا يؤذى ، ولكن أضاف أذى الرسول وعصيانه إلى نفسه ، وقد كانوا يعتقدون عصيانه وأذاه ؛ فجعل عصيانهم وأذاهم لرسوله أذى منهم لله تعالى وعصيانا له ؛ فثبت أن هذا في الاعتقاد ، وقال - عزّ وجل - : مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ [ النساء : 80 ] ، وقال : فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ [ النساء : 65 ] ، فجعل طاعة الرسول طاعة له ، وعصيان رسوله عصيانا له . ولأنه ذكر العصيان على أثر تبليغ الرسالة ؛ فثبت أن العصيان هاهنا في ترك القبول لما أنزل على الرسول ، وفي اعتقاد العصيان له . وروي عن أبي حنيفة - رحمه الله - أنه قال : من آمن بالله تعالى ، ولم يؤمن برسوله ، فهو ليس بمؤمن ؛ لأن جهله بالله تعالى هو الذي حمله على تكذيب الرسول ؛ لأن الرسول ليس يدعوه إلا إلى ما يقربه إلى الله تعالى ، وإلى ما ينجيه من عذابه ؛ فلو كان يحب الله تعالى ، ويؤمن به ، لكان يدعوه ذلك إلى حب الرسول ، وإلى طاعته ؛ فثبت أن المكذب للرسول جاهل بربه ، والمطيع له مطيع لله تعالى . وقوله - عزّ وجل - : حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ ناصِراً وَأَقَلُّ عَدَداً ، وقال في موضع آخر : فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضْعَفُ جُنْداً [ مريم : 75 ] . ويحتمل أن يكون هذا في الدنيا والآخرة جميعا ، ويكون ذلك راجعا إلى يوم بدر ، كما ذكره « 4 » أهل التأويل ؛ إذ قد ظهر في ذلك اليوم أنهم شر مكانا ، وأضعف جندا ، وأضعف ناصرا . ويشبه أن يكون هذا في الآخرة ؛ فإنهم « 5 » يعلمون أنهم أقل عددا في الآخرة ؛ لأن كل واحد منهم يتبرأ عن صاحبه وناصره ومعينه في الدنيا ، ويصير عدوّا له ؛ فيقل عددهم ،

--> ( 1 ) في أ : هذه العصبات . ( 2 ) زاد في ب : وليس . ( 3 ) في ب : لله . ( 4 ) في أ : ذكر . ( 5 ) في ب : لأنهم .